من الذي يُحدِّد؟

25 أغسطس 2026
rawan
من الذي يُحدِّد؟


من الذي يُحدِّد البداية أو النهاية؟ ومن الذي يُحدِّد معنى الشيء أو قيمته؟ بل السؤال الأهم: من وضع هذه الحدود أصلًا؟ هل بُرمِجنا عليها، أم بَرمَجنا أنفسنا؟

أسئلة مَجازية لا تبحث عن إجابة، هدفها الوحيد أن تُبقي الأعين منفتحة على ما وراء الحدود. فالحياة في جوهرها تجربة مُستمرة خارج هذه الحدود، نكتشف فيها أنفسنا وما حولنا.

هذه هي فلسفتنا: مساحة تجربة لا تسعى للمثالية، بل لاكتشاف النفس من خلال ما قد يُعتبر "مُهملًا". فإحياء المُهمَل هو في جوهره إحياء لأجزاء مِنّا نسيناها أو فقدناها في زَحمة العالم.

ولعل أغرب ما في هذه الحدود أننا نادرًا ما نتذكّر متى رسمناها. لا أحد يجلس في لحظة واحدة ويقرر "من الآن، هذا الشيء لا قيمة له". الحد يتكوّن رُوَيدًا بالتكرار، بالصمت وبعدم السؤال، حتى يصبح جزءًا من طريقة رؤيتنا للأشياء دون أن نُلاحظ أننا نحن من رسمناه.

وربما لهذا السبب يصعب علينا أحيانًا أن نرى إمكانية في شيء وُصِف لنا مُسبَقًا بأنه بلا إمكانية. فنحن لا نرى الشيء نفسه، بل نرى الحد الذي وُضِع حوله.

لكن الحد، مهما بدا راسخًا ليس أكثر من اتفاق نحن صوَّرناه. واتفاقٌ يمكن أن يُعاد النظر فيه أو حتى أن يُلغى، بمجرد أن نسأل: من قال؟

هذا ما نفعله في كل قطعة نُمسِكها وفي كل قرار نتَّخذه: أن نُؤخِّر السؤال "هل هذا يستحق؟" لصالح سؤال أهم: "من قرر أنه لا يستحق؟"

وربما الخطوة الأولى ليست في تغيير الحدود، بل في تذكّر أننا نحن من رسمناها.

وهذه، في النهاية فلسفتنا نحن، لا حقيقة مُطلقة نفرضها. فربما الحد الذي نراه وَهمًا، يراه غيرنا ضرورة. وربما هذا بالذات هو المهم: أن نُبقي السؤال مفتوحًا، لا أن نُغلقه بجواب.

وهناك جزء من هذه العملية لم نُشارِكه من قبل. ليس لأننا أخفيناه، بل لأننا لم نجد بعد الطريقة الصحيحة لوَصفه.