هناك لحظة تتكرر في كل مرة يُسلَّم إلينا فيها كيسٌ من بقايا الأقمشة: نسمع صدى الارتياح في جملة "الحمد لله ما راحت للزبالة". وقبل أن نفتح الكيس حتى نعرف مسبقًا أن هذا الشعور كان في محله.
نظن أن ارتياحهم هذا ينبع غالبًا من افتراضٍ بأننا سنرى في هذه البقايا احتمالًا لم يروه. ليس لأننا نملك موهبةً خاصة، بل لأننا درّبنا أنفسنا على النظر إلى ما وراء الصندوق. الصندوق الذي وُصفت فيه هذه القطع بأنها "انتهت صلاحيتها". الصندوق الذي قُرِّر أن قطعة ما "صغيرة جدًا، أو ممزقة جدًا، أو مستهلكة جدًا" لتستحق الاهتمام أو فرصة ثانية.
لكن الحجم والحالة لم يكونا يومًا المشكلة الحقيقية. المشكلة في الوقت الذي يتطلب به أن نسأل أنفسنا: "ما الذي لم يُتخيَّل بعد؟ وما الذي لم يُصنَع بعد؟"
هذا هو الجزء من عملنا الذي لا يُصوَّر بقدر ما تُصوَّر به القطع النهائية. الفرز، الرسم، تركيب القطع كأحجية واتخاذ القرار. قبل أن يتحول أي شيء إلى قطعة تُلبَس أو تُباع أو تليق بمعرض، يبدأ كل شيء ككومةً قد يسميها البعض “بقايا”. مهمتنا هي أن نجلس مع تلك الكومة وقتًا أطول مما هو مريح، ونسأل سؤالًا بسيطًا: ما الذي يستحق أن يُحيا من جديد؟
وهو سؤال يستحق أن يُطرح على نطاق أوسع أيضًا. فكميات هائلة من النفايات النسيجية تنتهي في المكبات كل عام، تاركةً أثرها على بيئاتٍ ومجتمعاتٍ تتجاوز بكثير المكان الذي رُميت فيه. ووجدنا أن الأجدى هو التعامل مع هذه الحقيقة كدعوة، وكدليل على حجم الإمكانيات التي ما زالت بلا مسّ، بانتظار من ينظر إلى ما وراء الصناديق التي لُبست ووصفَت بها.
وهذا هو الأساس الذي بُني عليه دارة. نعمل مع قطعٍ مستعملة يُهديها لنا أشخاصٌ يرتبون خزائنهم، ومع بقايا أقمشة من مصممين لم يكن لها مكان آخر تذهب إليه. والرابط بين كل هذا هو رفضٌ واحد: أن نسمح لأي شيء أن يُحصر في صندوق اسمه "نفاية".
لم نخترع هذه الفكرة، فقد عاشت في مجتمعاتنا قبلنا بزمن طويل متجذرة في مبدأ "حفظ النعمة". كل ما فعلناه هو أننا اخترنا أن نتذكرها، وأن نبني مختبر حلولنا حولها.
هذا الشهر، نريد أن نفتح عملياتنا أكثر قليلًا لا لنُريكم فقط ما نصنع، بل لندعوكم إلى الطريقة التي ننظر بها إلى الأشياء من الأساس.